أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
223
العقد الفريد
كلّما جدّ البكاء به * زادت الأسقام في بدنه قيل له : هذا . وأشار إلى العباس بن الأحنف ؛ فقال قدّموه ! فقدّم عليهم . أبو عمرو وجرير أبو عمرو بن العلاء قال : نزل جرير وهو مقبل من عند هشام بن عبد الملك فبات عندي إلى الصبح ؛ فلما أصبح شخص وخرجت معه أشيّعه ، فلما خرجنا من أطناب البيوت التفت إليّ فقال : أنشدني من قول مجنون بني الملوّح ، فأنشدته : وأدنيتني حتى إذا ما سبيتني * بقول يحلّ العصم سهل الأباطح . . . تجافيت عني حين لا لي حيلة * وغادرت ما غادرت بين الجوانح « 1 » فقال : واللّه لولا أنه لا يحسن بشيخ مثلي الصراخ ، لصرخت صرخة سمعها هشام على سريره . وهذا من أرق الشعر كله وألطفه ، لولا التضمين الذي فيه ، والتضمين : أن يكون البيت معلّقا بالبيت الثاني ، لا يتم معناه إلا به ، وإنما يحمد البيت إذا كان قائما بنفسه . ابن الأحنف وابن الملوح وقال العباس بن الأحنف نظير قول المجنون بلا تضمين ، وهو قوله : أشكو الذين أذاقوني مودّتهم * حتى إذا أيقظوني بالهوى رقدوا الرشيد والأصمعي وقال الأصمعي : دخلت على هارون الرشيد ، فوجدته منغمسا في الفرش ، فقال : ما أبطأ بك يا أصمعي ؟ قلت : احتجمت يا أمير المؤمنين . قال : فما اكلت عليها ؟ قلت : سكباجة وطباهجة « 2 » ، قال : رميتها بحجرها ! أتشرب ؟ فقلت . نعم ؛ وقلت .
--> ( 1 ) الجوانح : جمع جانحة : وهي الضلع القصيرة مما يلي الصدر . ( 2 ) الطباهجة : ضرب من قلي اللحم .